تعديل أسباب المعيشة

ويتضح جليًا من الأحوال التي يواجهها الشباب والكثيرون من أفراد مجتمعنا أن من بين المبادئ البارزة التي يجب أن تدفع سعينا إلى التجدد الذي نبتغيه، هو مبدأ العدل. فالمضامين البالغة الأثر لتطبيق هذا المبدأ وتبعاتها بعيدة المدى إنما هي في صميم القضايا التي يتحتم علينا كأُمّةٍ أن نتفق عليها. فمن تفاعل المبدأين الحيويين للعدالة ووحدة العالم الانساني تبرز حقيقةٌ هامةٌ وهي أنّ: كل فردٍ يأتي إلى هذا العالم إنما هو أمانةٌ على الجميع، وأن الموارد الجماعية المشتركة للجنس البشري يجب أن تتوسع وتمتد ليستفيد منها الكل وليس مجرد فئة محدودة. فالتغاضي عن مثل هذا الهدف واهماله له آثاره المؤدية بالضرورة إلى زعزعة المجتمع، حيث أن التناقض المفرط القائم بين الفقر والثراء سيؤدي الى استفحال التوترات الاجتماعية القائمة ويثير الاضطرابات. إن التدابير المتخذة لتخفيف وطأة الفقر لا يمكنها أن تتجاهل وجود الثراء المفرط، فحين تتكدس الثروات الهائلة عند قلة من الناس، لا مفرّ للكثرة الغالبة من معاناة الفقر والعوز.

يَا ابْنَ الإِنْسانِ أَنْفِقْ مالِي عَلى فُقَرائِي لِتُنْفِقَ فِي السَّمآءِ مِنْ كُنُوزِ عِزِّ لا تَفْنى وَخَزائِنِ مَجْدٍ لا تَبْلى؛ وَلكِنْ وَعَمْري إِنْفاقَ الرُّوحِ أَجْمَلُ لَوْ تُشاهِدْ بِعَيْني.

يجب أن ينجو الجميع من العوز والحاجة

 " إن تعديل معيشة الجنس البشريّ حتّى ينجو الجميع من العوز والحاجة، ويستقرّ حال كلّ فرد بقدر الإمكان وبقدر اقتضاء رتبته ومكانته. فكما يتدلّل الأمير ويتقلّب في بحبوحة النّعمة كذلك يجب أن يجد الفقير قوت يومه، ويتحرّر من الذّلّة الكبرى ولا يحرم إثر شدّة الجوع من نعمة الحياة. وأنّ العدل ليقتضي أن تُحفظ جميع حقوق النّوع الإنسانيّ وتُصان، وأن تتعادل الحقوق العامّة. وهذه القاعدة من اللّوازم الذّاتيّة للهيئة الاجتماعيّة". (خطب عبد البهاء في أوروبا و أمريكا صفحة 81)

الفوارق الشاسعة بين الأغنياء والفقراء

أما الفوارق الشاسعة بين الأغنياء والفقراء، وهي مصدر من مصادر المعاناة الحادة، فتضع العالم على شفا هاوية الحرب والصراع وتدعه رهنًا للاضطراب وعدم الاستقرار. وقليلة هي المجتمعات التي تمكنت من معالجة هذه الحالة معالجة فعاله. ولذلك فان الحل يتطلب تنفيذ جملة من الاتجاهات العملية والروحية والخلقية. والمطلوب هو ان ننظر إلى هذه المشكلة نظرة جديدة تستدعي اجراء التشاور بين مجموعة موسعة من اهل الاختصاص في العديد من المجالات العلمية المتنوعة، على ان تتم المشاورات مجردة عن المحاولات العقائدية والاقتصادية ويشترك فيها اولئك الذين سوف يتحملون مباشرة أثر القرارات التي يجب اتخاذها بصورة ملحة. ان القضية لا ترتبط فقط بضرورة ازالة الهوة السحيقة بين الفقر المدقع والغنى الفاحش، ولكنها ترتبط ايضا بتلك القيم الروحية الحقة التي يمكنها، اذا تم ادراكها واستيعابها، خلق اتجاه عالمي جديد يكون في حد ذاته جزءًا رئيسيا من الحل المطلوب . (من رسالة "السلام العالمي وعد حق"، اكتوبر 1985)

لابد من سن قوانين تعالج المشكلة

" أن المساواة بين البشر في المعيشة أمر غير ممكن. ولم يستطع هذا الملك أن يسوّي بين بني جنسه في المعيشة. ومع ذلك فلا يجوز أن يظلّ بعض النّاس في نهاية الغنى، وبعضهم في نهاية الفقر. بل لا بدّ من إصلاح الحال، وسَنّ قانون يكفل للكلّ الوسعة والرّفاهية. لا أن يبتلي أحد بالفقر ويرتع الآخر في بحبوحة الغنى، فالشّخص الّذي لا حدّ لغناه لا يسمح لنفسه أن يترك شخصًا آخر في منتهى الفقر، بل لا بدّ أن يرعاه حتّى يرتاح أيضًا هو الآخر. ولا بدّ من تنفيذ هذا الأمر بمقتضى القوانين. فكما أنّ الأغنياء يجب عليهم أن ينفقوا فضل ما لهم من تلقاء أنفسهم على الفقراء، يجب أن تكون قوانين البلاد بموجب شريعة الله كي يضمن الأمن والرّاحة للفقراء" . (خطب عبد البهاء في أوروبا و أمريكا صفحة 185)

علاج المشاكل الاقتصادية من خلال رفع القدرات

وفي معالجتنا للمشاكل الاقتصادية التي تواجه عالم اليوم، حري بنا أن ننظر إليها من منظور رفع مستوى القدرات بالتوسع في تحصيل العلم والمعرفة على كافة المستويات. فمن تجاربنا في العقود الأخيرة الماضية، لا يمكن ان نعتبر المكاسب المادية غايات بحد ذاتها. فالهدف منها لا ينحصر في تأمين الاحتياجات الأساسية للانسان مثل المسكن والمأكل والرعاية الصحية وامثالها فحسب، بل في تحسين القدرة الانسانية في المهارات والتجارب ايضا. ان اهم دور للجهود الاقتصادية ان تلعبه في عملية التطوير يكمن في اعداد الافراد والمؤسسات وتوفير الوسائل التي بواسطتها يستطيعون انجاز الهدف الحقيقي من التطوير. وهذا معناه وضع الاسس لنظام اجتماعي جديد قادر على بعث وتنمية قدرات لا محدودة كامنة في أعماق الانسان. وليس امام الفكر الاقتصادي سوى ان يسلم بهذا الهدف من التطوير عن قناعة تامة ودون اي تحفظ، ويؤمن بدوره الفاعل في خلق وسائل تحقيقه. وبهذا الاسلوب دون غيره يمكن لعلم الاقتصاد وما يدور في فلكه من علوم ان يحرر نفسه من تيار التسابق وحب التملك الذي يجرفنا اليوم، فيسخر كل ما لديه لرخاء البشرية بكل ما في الكلمة من معنى.

وهنا تدعونا الحاجة بكل وضوح إلى حوار ٍ دقيق ٍ وجازم ٍ بين ما يفعله العلم وما يراه الدين بنظره الثاقب. ومعضلة الفقر هي الان تتصدر المقدمة، والحلول المطروحة لمواجهتها تقوم على القناعة بأن الموارد المادية متوفرة او يمكن توفيرها بفضل العلم والتكنولوجيا، وبذلك يمكن التخفيف من وطأتها ثم القضاء على هذه المشكلة المزمنة التي قضت مضجع البشرية واصبحت من مظاهر حياتها. والسبب الرئيس في بقاء هذا الاشكال قائمًا يكمن في سلم الاولويات في برامج العمل العلمي والتكنولوجي الذي يصيب فقط سطح الاحتياجات الفعلية للسواد الأعظم للجنس البشري لا عمقها. وعليه، فإننا بحاجة إلى إعادة تقييم جذري للأولويات إذا ما أردنا ان نرفع عن كاهل البشرية نهائيا أعباء الفقر ومعاناته بأسلوب جاد. وإنجاز كهذا يستدعي تركيز البحث وتكثيف الجهود في وضع قيم لائقة محددة وهو ما يعد امتحانا للموارد الروحية والعلمية للجنس البشري. وسيظل الدين عاجزا عن أداء دوره في هذا الميدان ما دام حبيس الاعتبارات الطائفية ومفاهيم لا تستطيع التمييز بين القناعة والسلبية وتعتبر ان الفقر هو سمة الحياة الدنيا ولا سبيل للخلاص منه إلا في العالم الآخر غافلين عن جوهر الدين الذي يدعو إلى رخاء البشرية وسعادتها. ومن روح الرسالة السماوية التي تستلهم تعاليمها من فيض الحق سنجد مفاهيم روحية جديدة ومبادئ تنير لنا عصرنا الحاضر الذي بات يلهث وراء الوحدة والاتحاد ثم العدالة والانصاف في كافة الشؤون الإنسانية.

(من وثيقة "ازدهار الجنس البشري ورخاؤه" الصادرة عن مكتب المعلومات العامة التابع للجامعة البهائية العالمية في عام 1995م)