تحري الحقيقة

من تعاليم حضرة بهاء الله أنّ الحقيقة واحدة لا تقبل التّعدّد والانقسام. وما دامت لا تقبل التّعدّد والانقسام فلو تحرّى جميع البشر الحقيقة فإنّهم لا شكّ يتّحدون ويتّفقون. إن أردنا نحن الوصول إلى الحقيقة وجب علينا ترك التّعصّبات ونبذ ما لا يسمن ولا يغني. وهنا تتجلّى الحاجة الملحّة إلى البصيرة النيّرة والعقل السّليم. فلو كان كأس وجودنا طافحًا بالأغراض الشّخصيّة لن يبقى فيه مجال لماء الحياة، وحينما نظنّ أنّنا على حق وإنّ غيرنا على الباطل يصبح اعتقادنا هذا أعظم مانع في سبيل الإتّحاد. وإذا كنّا نبحث عن الحقيقة، وجب علينا الإتّحاد، لأن الإتّحاد هو أسّ الأساس، والسّبب في ذلك هو أنّ الحقيقة واحدة وليست هناك حقيقة تخالف حقيقة أخرى أو تعاكسها.

يَا ابْنَ الرُّوحِ أَحَبُّ الأَشْيَاءِ عِنْدِي الإنْصافُ. لا تَرْغَبْ عَنْهُ إِنْ تَكُنْ إِلَيَّ راغِباً وَلا تَغْفَلْ مِنْهُ لِتَكُونَ لِي أَمِيناً وَأَنْتَ تُوَفَّقُ بِذلِكَ أَنْ تُشَاهِدَ الأَشْياءَ بِعَيْنِكَ لا بِعَيْنِ العِبادِ وَتَعْرِفَها بِمَعْرِفَتِكَ لا بِمَعْرِفَةِ أَحَدٍ فِي البِلادِ. فَكِّرْ فِي ذلِكَ كَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ. ذلِكَ مِنْ عَطِيَّتِي عَلَيْكَ وَعِنايَتي لَكَ فَاجْعَلْهُ أَمامَ عَيْنَيْكَ.

أوّل تعاليم حضرة بهاء الله هو تحرّي الحقيقة

" أوّل تعاليم حضرة بهاء الله هو تحرّي الحقيقة. فيجب أن يتحرّى الإنسان الحقيقة وأن يترك التّقاليد لأنّ كلّ ملّة من ملل العالم لها تقاليدها والتّقاليد مختلفة واختلافها سبب الحروب وما دامت هذه التّقاليد باقية فإنّ وحدة العالم الإنسانيّ مستحيلة إذن يجب تحرّي الحقيقة حتّى تزول هذه الظّلمات بنور الحقيقة. لأنّ الحقيقة واحدة لا تقبل التّعدّد والانقسام. وما دامت لا تقبل التّعدّد والانقسام فإنّ جميع الملل لو تتحرّى الحقيقة فإنّها لا شكّ تتّحد وتتّفق". (خطب عبد البهاء في أوروبا و أمريكا صفحة 323)

إن تحري الحقيقة نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله

إن تحري الحقيقة نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله و له متطلباته الخاصة فعلي كل فرد يرغب في خوض رحلة لتحري الحقيقة ان يأخذ بعين الاعتبار بعض النقاط:


و يتفضل حضرة بهاء الله في كتاب الإيقان بأن على الشخص المجاهد الذي أراد ان يخطوا بقدم الطلب و السلوك في سبيل معرفة الحق أن :

  • يجعل القلب الذي هو محل ظهور تجلي الأسرار الغيبية الإلهية مطهراً و منزهاً عن كل غبرة مظلمة من غبار العلوم الإكتسابية و إشارات المظاهر الشيطانية.

  • ينزه السمع عن استماع الأقوال.

  •  ينزه الروح عن التعلق بالأسباب الدنيوية.

  • ينزه العين عن ملاحظة الكلمات الفانية.

  • ان لا يجعل اقوال العباد من عالم وجاهل واعمالهم وأفعالهم، ميزانا لمعرفة الحق وأوليائه.

  • يجعل الصدر الذي هو سرير ورود و جلوس محبة المحبوب الأزلي لطيفاً و نظيفاً.

  • يقدس القلب عن كل ما يتعلق بالماء و الطين يعني أن يجعله مقدساً عن جميع النقوش الشبحية و الصور الظلية بدرجة لا يبقى في القلب آثار للحب و البغض كيلا يميل به الحب عن جهة أو يمنعه البغض عن جهة بلا دليل .

  • أن يتوكل على الحق في كل حين و أن يعرض عن الخلق و ينقطع عن عالم التراب و يتمسك برب الأرباب و لا يرجح نفسه على أحد و يمحوا عن قلبه الإفتخار و الإستكبار .

  • أن يأخذ نفسه بالصبر و الإصطبار و يتخذ الصمت له شعارأ و يحترز عن التكلم بما لا فائدة فيه لأن اللسان نار خامدة و كثرة البيان سمٌ قاتل فالنار الظاهرة تحرق الأجساد و نار اللسان تكوي الأفئدة و الأرواح أثر النار الظاهرة يفنى بعد ساعة و أثر هذه النار يبقى قرناً من الزمان .

  • أن يعد الغيبة ضلالة و أن لا يخطوا بقدمه أبداً في تلك الساحة لأن الغيبة تطفيء سراج القلب المنير و تميت الحياة من الفؤاد .

  • يقنع بالقليل و يزهد عن طلب الكثير .

  • يعد مصاحبة المنقطعين غنيمة و العزلة عن المتمسكين بالدنيا و المتكبرين نعمة.

  • يشتغل في الأسحار بالأذكار و يسعى في طلب محبوبه بتمام الهمة و الإقتدار .

  • يحرق حجاب الغفلة بنار الحب و الذكر و يفر كالبرق عما سوى الله و يجود بنصيب على البائسين و لا يتوقف عن العطاء و الإحسان للمحرومين.

  • ينظر بعين الرعاية للحيوان فكيف بالإنسان و أهل البيان .

  • لا يبخل بالروح عن المحبوب و لا يحترز عن الحق خشية شماتة الخلق .

  • ما لا يرضاه لنفسه لا يرتضيه لغيره و لا يقول بما لا يفي .

  • يعفوا عن الخاطئين عند كمال القدرة عليهم و يطلب لهم المغفرة و لا ينظر لهم بعين الحقارة لأن حسن الخاتمة مجهول إذ كم من عاصي يتوفق حين الموت إلى جوهر الإيمان و يذوق خمرة البقاء و يسرع إلى الملأ الأعلى وكم من مطيع و مؤمن ينقلب حين إرتقاء الروح و يستقر في أسفل درجات النيران.