الاحتفال بمرور مائتي سنة على ميلاد حضرة بهاء الله

بكل البهجة والسرور يستعد البهائيون في أنحاء العالم علي المستوي المحلي والمركزي في الريف والحضر للاحتفال بمناسبتين مباركتين، هما مرور مائتي عام علي مولد ( حضرة بهاء الله في 22 أكتوبر 2017 ومولد حضرة الباب في 21 أكتوبر 2019 ) لا شك ان أعظم احتفال للبهائيين بهذين العيدين الجليلين هو التواصل مع أوسع نطاق ممكن من كافة شرائح المجتمع ومع الذين تربطهم علاقة بهم، أكانت عائلية ام أهتمام مشترك - مهنة او مجال دراسة أو علاقة جوار أو معرفة عابرة، لتعريفهم بظهور من هو حامل الرسالة الإلهية الجديدة للجنس البشري.

حضرة بهاء الله

وُلد حضرة بهاء الله في 12 نوفمبر عام 1817 في طهران عاصمة إيران، وقد أظهر منذ طفولته مواهب غير عادية، فاقتنع والداه من سلوكه وتصرفاته بأن مقاماً عظيماً قد قُدر له. كان والده، وهو وزير مرموق في بلاط الشاه، يكن حباً كبيراً لإبنه، وذات ليلة رأى في المنام أن حضرة بهاء الله يسبح في خضم بحرٍ هائل وبدنه يلمع على سطح الماء ويملأ ذلك البحر الواسع نوراً وضياءً، وحامت حوله جملة أسماكٍ تعلق كل منها بطرف شعرةٍ من شعراته، ومع وفرة عددها لم تنفصل منه شعرةً واحدة. كان يتحرك فوق المياه بغير مشقة وبدون عائق وجميع الأسماك تتبعه. استدعى والد حضرة بهاء الله معبراً مشهورا بالحكمة ليفسر له هذه الرؤيا، فقال له بأن البحر الهائل هو عالم الوجود الذي سيتغلب عليه حضرة بهاء الله وحيداً فريداً. وأما الأسماك العديد فهي عبارة عن الاضطراب الذي سيحدثه بين أمم العالم، وستشمله حماية الله القدير وتحفظه ولا شيء قادر على إلحاق الأذى به.

لما كان حضرة بهاء الله لا يزال في الرابعة عشرة من عمره، عرف في بلاط الشاه بحكمته وعلمه. وكان في الثانية والعشرين عندما توفي والده وعرضت عليه الحكومة منصب والده الرّفيع في الوزارة، ولكن لم تكن لديه رغبة في قضاء أوقاته في تدبير الشؤون الدنيوية، فتخلى عن البلاط ووزرائه ليسلك السبيل الذي قدره الله له، وصرف أوقاته في مساعدة المظلومين والمرضى والفقراء، وسرعان ما اشتهر بأنه نصير قضية العدل وإحقاق الحق.

في السابعة والعشرين من عمره تلقى حضرة بهاء الله بواسطة رسولٍ خاص بعضاً من آثار حضرة الباب الذي كان يبشر باقتراب يوم الله، اليوم الذي يجلب فيه مظهر الله الجديد للعالم السلام والوحدة والعدل الذي طالما انتظرته البشرية. فأعلن حضرة بهاء الله في الحال قبوله رسالة الباب وأصبح أحد أكثر أتباعه حماساً. ولكن للأسف فقد أعمت الأهواء الشخصية عيون حكام إيران، فبدأوا باضطهاد أتباع الباب بوحشيةٍ كبيرةٍ لم يستثن منها حضرة بهاء الله رغم ما اشتهر به من شرف الحسب والنسب. فبعد مرور ثماني سنواتٍ ونيفٍ على إعلان دعوة الباب، وبعد عامين من استشهاد حضرة الباب نفسه، ألقي بحضرة بهاء الله في زنزانة مظلمة تسمى سياه جال أي الحفرة السوداء، وكانت الأغلال التي وضعت حول رقبته ثقيلة إلى حدٍ لم يكن قادراً على أن يرفع رأسه. أمضى حضرة بهاء الله في ذلك المكان أربعة أشهر مريعة قاسى فيها أشد الأذى، وعَرَفَ حضرة بهاءالله أول تباشير الظهورالإلهي أثناء الفترة الأولى في السجن، فوصف تجربته تلك بهذه الكلمات:

"وبالرّغم من أنّ النوم كان عزيز المنال من وَطْأة السلاسل والروائح المنتنة حين كنت رهين سجن أرض الطاء [طهران] إلاّ أَنَّني كنت في هَجَعاتي اليسيرة أُحسّ كأنّ شيئاً يتدفق من أعلى رأسي وينحدر على صدري كأنّه النهر العظيم ينحدر من قُلَّة جبل باذخ رفيع إلى الأرض فتلتهب جميع الأعضاء. في ذلك الحين كان اللّسان يرتّل ما لا يقوى على الإصغاء إليه أحد."

وفي نفس هذا المكان كشف له بأنه موعود كل الأزمنة. ومن هذا السجن المظلم بزغت شمس بهاء الله لتشرق بنورها على الخلائق أجمعين.

وبعد قضاء أربعة أشهر في سجن سياه جال، جُرد حضرة بهاء الله من جميع ممتلكاته، وأرسل هو وعائلته إلى المنفى، حيث سافروا في برد الشتاء القارس على امتداد جبال إيران الغربية متجهين إلى مدينة بغداد التي كانت آنذاك تقع ضمن الإمبراطورية العثمانية، وهي الآن عاصمة العراق. إن العبارات تعجز عن وصف معاناتهم، فقد قطعوا مئت الأميال سيراً على الأقدام فوق الأرض المغطاة بالثلوح والجليد في طريقهم إلى المدينة الحافلة بتصاريف القدر.

سرعان ما ذاع صيت حضرة بهاء الله في بغداد وسائر مدن المنطقة، وازداد توافد الناس يوماً بعد يوم على باب هذا المنفي! المسجون لتلقي بركاته ، ولكن كانت هناك قلة تحسده على شهرته، من بينها أخوه غير الشقيق ميرزا يحيى الذي كان يعيش في كنف رعايته الحانية. لقد عاص ميرزا يحيى حضرة بهاء الله ظناً منه بأن البابيين الذين كانوا يظهرون له في ذلك الوقت احتراماً كبيراً سيقبلون به زعيماً لهم، وما كان ليعلم بأن من ينقلب على المظهر الإلهي يجلب لنفسه السقوط والخسران، وأولئك الذين يكنون الولاء والعبودية للمظهر الإلهي لدى ظهوره هم فقط الذين بإمكانهم أن يأملوا في المجد والعظمة الحقيقية، فحتى أقرب أقربائه لا يمكنهم أن ينسوا بأن المظهر الإلهي يمتاز عن جميع بني البشر وأنه يحتل مكانة فريدة لا يشاركه فيها أحد.

تسببت دسائس ميرزا يحيى في إحداث الفرقة بين أتباع حضرة الباب، وجلبت الحزن الشديد لحضرة بهاء الله، فترك ذات ليلة منزله ورحل إلى جبال كردستان دون أن يخبر أحداً، وعاش هناك في عزلةٍ منشغلاً بالدعاء والتأمل، مأواه كهفٌ صغير وقوته طعامٌ يسير، ولا يعلم أحد أصله ولا اسمه. ولكن ما لبث أن بدأ أهالي المنطقة يتحدثون بالتدريج عن "الشخص المجهول"، الولي العظيم الذي أكرمه الله بعلمٍ من لدنه. فلما وصلت أنباء ذلك الشخص المقدس الى مسامع ابن بهاء الله الأرشد، عبد البهاء، عرف في الحال علامات والده المحبوب، فبعث بواسطة رسول خاص رسائل يتوسل فيها الى حضرة بهاء الله أن يعود إلى بغداد، الى أن وافق على العودة منهياً بذلك فراقاً أليماً استمر مدة سنتين.

تدهورت أوضاع الجامعة البابية بشكلٍ سريع أثناء غياب حضرة بهاء الله، فشرع يبث روحاً جديداً في أتباع الباب المضطهدين التائهين، ورغم أنه لم يعلن بعد عن مقامه العظيم، فإن القوة والحكمة المودعة في كلماته بدأت تستقطب ولاء عددٍ متزايدٍ من البابين وإعجاب الناس من جميع الأوساط والطبقات، إلا أن علماء المسلمين المتعصبين وأخاه الحسود ميرزا يحيى لم يتحملوا مشاهدة نفوذ حضرة بهاء الله الهائل على ذلك العدد من النفوس، فسعوا لدى السلطات واشتكوا مرةً تلو المرة الى أن اتفقت الحكومة الإيرانية مع بعض المسؤولين في الإمبراطورية العثمانية على ترحيل حضرة بهاء الله إلى مكان أكثر بعداً عن موطنه، وهذه المرة إلى مدينة الآستانة (استانبول).

كان شهر أبريل من عام 1863 شهر حزنٍ كبيرٍ بالنسبة لأهالي بغداد. فالذي نشأوا على حبه كان سيغادر مدينتهم متجهاً إلى مصير مجهول بالنسبة لهم. وقبل بدء الرحلة بأيام قليلة انتقل حضرة بهاء الله إلى حديقة تقع في ضواحي المدينة حيث نصب خيمته، ولمدة اثني عشر يوماً استقبل سيل من الزوّار الذين قدموا لوداعه. أقبل أتباع حضرة الباب الى الحديقة بقلوب مثقلة بالأسى، فبعضهم سيرافق حضرة بهاء الله في المرحلة القادمة من نفيه، ولكن أكثرهم سيتخلفون عن ركبه ويحرمون من مرافقته. إلا أن الإرادة الإلهية لم تشأ أن تكن هذه المناسبة حزينة، فقد فُتحت أبواب فضله العميم على مصاريعها، وأعلن حضرة بهاء الله على المجتمعين من حوله بأنه هو "من يظهره الله" الذي بشرهم الباب بقرب ظهوره، فتبدل الحزن بفرحٍ غامرٍ، وانتعشت القلوب، واشتعلت النفوس بنار حبه. وعلى مدى القرون القادمة، سيحتفل البهائيون في كل مكانٍ بهذه الاثني عشر يوماً المعروفة بعيد الرضوان، الذكرى السنوية لإعلان حضرة بهاء الله رسالته العالمية، في الفترة ما بين 21 إبريل الى 2 مايو من كل عام.

كانت الآستانة عاصمة الإبراطورية العثمانية. وهنا أيضاً بدأت حكمة حضرة بهاء الله العظيمة وشخصيته الآسرة تجذبان أعداداً متزايدة من الناس، فأخذ المتعصبون من علماء الدين المسلمين يتهامسون تذمراً:"يجب أن لا يطول بقاؤه في الآستانة أكثر من هذا" وأقنعوا السلطات بنفيه إلى أدرنه. وفي أدرنه كتب حضرة بهاء الله وبأعلانٍ واضح وصريح لا لبس فيه عن رسالته ووجه ألواحاً لملوك ورؤساء الدول وحكامها في العالم، بمن فيهم نابليون الثالث، والملكة فكتوريا، والبابا بيوس التاسع، والشاه الفارسي، والقيصر الألماني ويلهلم الأول، والامبراطور فرانسس جوزيف النمساوي، وآخرون، يدعوهم فيها الى ترك سبل الظلم وتكريس أنفسهم لخير شعوبهم وصلاحها. ففكر أعداؤه في إنزال أقسى عقوبةٍ بحقه، وقرروا نفيه مع عائلته الى عكاء التي كانت في ذلك الوقت أسوأ مكان لمعاقبة المجرمين في الإمبراطورية بأسرها. لقد ظن أصحاب تلك العقول السقيمة بأنهم قادرون على إطفاء نور الرسالة التي بعثها الله، وتخيلوا أن حضرة بهاء الله سيهلك لا محالة في الظروف القاسية لمدينة السجن تلك.

إن المشقات والشدائد التي عانى منها حضرة بهاء لله في عكاء هي أكثر من أن تحصى، فقد سجن في البداية في زنزانةٍ انفراديةٍ حيث لم يسمح حتى لأبنائه برؤيته، وكان يفتقر إلى أدنى أسباب الراحة ومحاطاً بالأعداء ليلاً ونهاراً. إلا أن أوضاع السجن تغيرت شيئاً فشيئاً، فلقد اقتنع أهالي عكاء وحكومتها ببراءة هذه الثلة الصغيرة من البهائيين التي نفيت إلى مدينتهم، ومرة أخري انجذب الناس بمحبة تلك الشخصية المميزة وبحكمتها، وإن لم تفطن الغالبية منهم إلى مقامه العظيم. وبعد عدة سنوات فُتحت أبواب مدينة السجن أمام حضرة بهاء الله وأتباعهه، وسُمح له أخيرا بالعيش في مكان مريح نسبياً وهو ما نعرفه اليوم بقصر البهجة. وهناك صعدت روحه الى الرفيق الأعلى في شهر أيار/مايو عام 1892 وهو في أوج عظمته وبهائه.

لقد أنزل حضرة بهاءالله خلال السنوات الطويلة التي قضاها في السجن من الآيات الإلهيّة ما يقع في أكثر من مائة مجلّد. فأفاض علينا قلمه المبارك مجموعة من الألواح والبيانات والتعاليم الاجتماعية والأخلاقية، والأوامر والأحكام، رافعاً راية الأخوة والسلام العالمي، وبالرغم من أن أعداءه وحدوا قواتهم ضده إلا أنه انتصر عليهم تحقيقاً لما وعده الله به وهو يرزح تحت السلاسل والأغلال في السجن في طهران. فأثناء حياته أحيت رسالته قلوب الآلاف من الناس وفدى الكثيرون بأرواحهم في سبيله، واليوم لا زالت تعاليمه تنتشر في أرجاء العالم، ولا شيء يستطيع من أن يمنعه من تحقيق هدفه الأسمى وهو اتحاد من على الأرض كلها على أمرٍ واحدٍ وشريعةٍ واحدةٍ.

حضرة الباب

حضرة الباب: وإسمه السيد علي محمد، ينحدر نسبه من السلالة النبوية الشريفة من طريق فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وهو الأمر الذي كان معروفاً لدى اهالي شيراز، لذلك كانوا يدعونه سيداً علامةً على نسبه الشريف. ولد حضرته في مدينة شيراز في 20 تشرين الأول عام 1819م، تلقى حضرة الباب تعليماً بسيطاً في طفولته، وما ان بلغ الخامسة عشر من عمره حتى اشتغل بالتجارة، واشتهر حضرته بحسن الخلق والورع والاستقامة التي كان يشهد بها كل من تعامل معه.

في تلك الحقبة من الزمان، كان هناك ترقباً شديداً لمجيء القائم الموعود عند الشيعة، وقد تنبأ العديد من رجال الدين والعلماء البارزين باقتراب بزوغ شمس الموعود، وأبرزهم السيد كاظم الرشتي، والذي طلب من تلامذته ان لا يبحثوا عن من يخلفه من بعده ولا يطلبوا العلم عند احد، لأن الموعود حيٌ بين ظهرانيهم وعليهم ان يجِّدوا في البحث والطلب الى ان يفوزوا بلقائه.

بعد وفاة السيد كاظم، تفرق تلامذته في الأرض بحثاً عن الموعود، ومن بين هؤلاء الملا حسين بشروئي، وهو احد اهم تلامذة السيد كاظم. قبل ان يبدأ الملا حسين بحثه عن الموعود، اعتكف في احد المساجد مدة اربعين يوماً، تضرع في هذه الايام بحرارة شديدة الى الله تعالى لعله يعينه في بحثه عن الموعود ويهبه الصفات الروحانية التي تجعله قادراً على تمييزه.

بعد ان قضى الملا حسين فترة اعتكافه، شعر وكأن "شيئاً ما" يدفعه الى التوجه الى مدينة شيراز، فشد الرحال الى هناك بصحبة بعض اقرانه، وهناك استقبله حضرة الباب "والذي لم يكن يعرفه" بترحابٍ شديد، ودعاه الى منزله، وهناك كشف له حضرة الباب عن مقامه، في ذلك الوقت كان بحوزة الملا حسين اوراق قد دون فيها ما اشكل عليه فهمه من تعاليم السيد كاظم الرشتي، والتي يوقن بأنه لا يوجد من يقدر على تفسيرها الا القائم الموعود، وحينما اجابه حضرة الباب عن الاسئلة المكتوبة، واخرى كانت تدور في ذهنه، ايقن في ذاته بأنه في محضر الموعود، كان الملا حسين هو اول من فاز بالإيمان بحضرة الباب، ثم تبعه بعد ذلك سبعة عشر شخص اخرون آمنوا من تلقاء انفسهم اسماهم حضرة الباب فيما بعد بحروف الحي.

امر حضرة الباب حروف الحي بالإنتشار في انحاء ايران وتبليغ امره بالقول وبالأعمال الصالحة المقدسة، وبفضل حماس تلك النفوس والتزامهم بنصح حضرة الباب، انتشر امر حضرة الباب سريعاً في انحاء ايران في المدن والقرى، وآمن عدد كبير من الإيرانيين وغير الإيرانين بحضرة الباب، مما اثار الغيرة والحسد في قلوب رجال الدين وضعاف النفوس من رجال السلطة ، فقاموا بسجن حضرة الباب في اصفهان، الا ان هذا لم يحد من انتشار دعوته، بل على العكس فقد كسب حضرته تأييد احد اكثر رجال الدين احتراما في اصفهان، بل حتى حاكم المدينة قد وقع اسيراً في حبه.

بعد فترة صدر امر من شاه ايران بنقل حضرة الباب الى طهران حتى يعقد مجلساً بين حضرة الباب وبين علماء ايران لكي يتبين الشاه من حقيقة امر الباب، وأثناء توجه حضرة الباب الى طهران، نجحت الضغوط التي كان يمارسها احد رجال الشاه عليه حتى يحول دون مجيء حضرة الباب الى طهران، فأرسل الشاه الى حضرة الباب رسالة يطلب فيها من حضرته ان يتوجه الى قلعة ماه كو الى ان يحدد موعداً آخر للقاء.

استمر حبس حضرته داخل قلعة ماه كو ثلاث سنواتٍ ونصف، وسرعان ما فاز بقلوب جميع اهالي اقليم آذربيجان، ومع الوقت بدأت القيود المفروضة على حضرته تتلاشى، وبدأ المؤمنون من شتى انحاء ايران يتوافدون عليه وكان يسمح للكثير منهم بلقائه بشكل طبيعي.

بعد ارتفاع صيت حضرته في هذا الاقليم، وبالتزامن مع الاضطهدات الشديدة التي وقعت على اتباع حضرته،أصدرت السلطات امر بنقل حضرة الباب الى قلعة جهريق ووضعه تحت الحراسة المشددة، الا ان هذا لم يطفيء نار الغل والحسد المشتعلة في صدور رجال الدين ورجال السلطة، فأصدر رجال الدين فتوى بإعدام حضرة الباب بتهمة ادعاء النبوة والخروج عن الإسلام، وصدّقت السلطات المدنية على تلك الفتوى الجائرة، فصدر بناءً على ذلك الأمر بنقل حضرة الباب الى تبريز لتنفيذ الحكم بإعدامه.

وفي ظهيرة ال28 من شعبان عام 1266هـ، اقتيد حضرة الباب الى ميدان الشهادة، وبصحبته احد المؤمنين المخلصين والذي لقب فيما بعد بالأنيس الى الميدان، وعلقوا جسديهما بالحبال، تأهباً لإطلاق النيران، فاصطف الجنود والذين كان عددهم 750 جندي، وبدأوا بإطلاق النار، وسط مرأى ومسمع من اهالي تبريز، فارتفع الدُخان الكثيف، وبمجرد انقشاع الدخان، وجدوا الأنيس واقفاً على قدماه ولم يصاب بأي اذى، بينما لم يجدوا اثراً لحضرة الباب!

اثارت هذه الواقعة زعر الاهالي والجنود، وتفرق الجميع بحثاً عن حضرته، ووجدوه في تلك الغرفة التي كان فيها قبل اخذه الى ميدان الشهادة، يتابع حديثه مع كاتب وحيه بكل هدوء، والذي لم يكن قد اتمه بعد حينما اخذوه لتنفيذ الحكم، امتنع سام خان قائد الكتيبة التي قامت بالمحاولة الاولى لإعدام حضرته عن اتمام المهمة، بينما تطوع احد العسكرين ويدعى اقا جان خان من اجل تنفيذ الحكم، فاصطفت كتيبته بعد ان اعادوا تعليق حضرة الباب وبجواره الأنيس الذي طلب ان يكون جسده درعاً لسيده، وبدأوا في اطلاق النيران، وفي هذه المرة اصيب الجسدان بالرصاص، حتى تمزق الجسدان تماما واختلط جسد الأنيس بجسد محبوبه الأعلى.

لقد كان حضرة الباب يعلم منذ البداية بأن دورته ستكون مدخلاً وبدايةً لمجيء موعود كل الأزمنة الذي سوف يؤسس لحضارة جديدة للبشرية لم يشهد مثلها التاريخ الانساني، وقد دفع حضرته حياته فداءً من اجل مجيء هذا العصر المجيد، وورود الموعود الذي لطالما اشتاق البشر لمجيئه، يقول حضرته في اول كتبه "قيوم الاسماء" مشيراً الى موعوده الذي جاء ليهيء الطريق لقدومه : "يا بقية الله قد فديت بكلي لك ورضيت السب في سبيلك وما تمنيت إلا القتل في محبتك، وكفى بالله العلي معتصماً قديماً. وكفى بالله شاهداً ووكيلاً."

هكذا كان حضرة الباب هو الفادي الأعظم للبشرية، الذي اختار الشهادة لنفسه من اجل حياة العالمين، والذي باستشهاده المبارك وبسجنه وآلامه، مهد الطريق لمجيء حضرة بهاء الله، وظهور النظم الأعظم الذي سيدخل جميع البشر في ظله، وحينئذٍ تتحقق نبوؤته التي كانت اخر ما نطق به أمام البشر المحتشدين لمشاهدة واقعة استشهاده :

" أيُّها الجيل الملتوي لو آمنتم بي لأصبح كلّ واحد منكم مثل هذا الشّاب الذي هو فِي درجةٍ أعلى منكم يُضحّي بنفسه فِي سبيلي، وسيأتي اليوم الّذي سوف تعترفون بي فيه وفي ذلك اليوم لا أكون معكم".