في الطريق إلى المنفى الأخير

في عام 1868 توقفت سفينة في مرفأ الإسكندرية وكان على متنها سجين في  رحلة منفاه الأخيرة من أدرنه في تركيا العثمانية إلى أعتى سجون تلك الامبراطورية في عكاء.   وقد كان هذا السجين هو حضرة بهاء الله الذي لم يكن يعرف عظمة شأنه  في ذلك الحين سوى عدد قليل من الأتباع الذين آمنوا برسالته التي  دعا فيها إلى حتمية وحدة العالم االإنساني  من أجل إرساء مدنية إلهية جديدة تقوم على العدل و المساواة بين البشر قاطبة.

وكانت رحلة المنفي الطويلة التي عانى فيها كثيراً هو وأسرته و أتباعه، والتي بدأت في طهران قبل خمسة عشر عاما عندما استقر رأى الشاه على أن هذا الرجل الذي كان ابن أسرة عريقة من سلالة أخر ملوك ساسان، (يزدجرد الثالث) يمثل خطراً قائماً على الإمبراطورية لأنه  رفض ولاية إحدى المقاطعات وترك رغد العيش والحياة  المترفة ليرعى الفقراء والمساكين.   لقد ظل هذا السجين يمثل خطراً معنوياً كبيراً على إمبراطورية الشاه حتى بعد أن سجنه في أقسى سجون طهران على الإطلاق وهو السجن المعروف بـ "سياه شال" أو القبو المظلم. وخلال هذه الفترة العصيبة أُوحيَّ إليه بالمهام الجسيمة التي أُلقيت على كاهله و التي تتطلب الكثير من التضحيات، خاصة بعد إعلانه عن بعثته في بغداد و قبيل رحيله بأمر من السلطان العثماني إلى القسطنطينية.

 كان حضرة بهاء الله رغم القيود و المعاناة يحظى بعظيم الاحترام و التبجيل من كل من يلقاه وكانت هذه هي السمة التي لازمته في أحلك الظروف وأصعبها وفي كل مراحل سجنه ونفيه من بلد إلى بلد. فبعد خروجه من سجن "سياه شال" لعدم وجود أي دليل على إدانته. قرر الشاه أن ينفيه إلى بغداد التي بَقيَّ فيها عشر سنوات و كان يزداد نفوذه ومحبة الناس له يوماً بعد يوم مما أزعج السلطان العثماني وقرر نفيه إلى القسطنطينية عله يستفيد من هذا النفوذ العجيب لقلوب كل من يقابله ولم يلتفت إلى طلب الشاه بإعادته إلى إيران.

مكث حضرة بهاء الله بالقسطنطينية ثلاثة أشهر و نصف الشهر عجزت فيها السلطات العثمانية عن استقطابه للتعاون معها فقررت نفيه مرة أخرة من العاصمة الى مدينة أدرنه التي لقبها حضرته بالسجن البعيد. ولكن حتى هذا لم يكن كافياً لوأد دعوته الطيبة العطرة السمحة، فقرر السلطان إبعاده حتى يضمن تماماً عدم تأثيره على المحيطين به فقام بنفيه إلى عكاء التي كانت معروفة بأنها المستعمرة العقابية الأشد بأساً في الإمبراطورية العثمانية بأسرها.

 في رحلة النفي إلى مدينة السجن عكاء توقفت السفينة التي حملت حضرة بهاء الله و عائلته في الإسكندرية.   كان هناك عدد من المرافقين غير محكوم عليهم بالسجن أو بالنفي و لكنهم رافقوه محبة منهم و رغبة في البقاء بقربه عن طيب خاطر.

كان من أشد المولعين بخدمة أمر حضرة بهاءالله رجل يدعى الملا محمد الزرندى وهو الذى لقبه حضرة بهاء الله بالنبيل الأعظم لوفائه وورعه.  و فى آواخر أيام إقامته بأدرنة بعث حضرة بهاء الله النبيل إلى مصر فى مهمة خاصة، وكان قنصل الامبراطورية الفارسية آنذاك فى مصر رجل يدعى ميرزا حسن خان الخوئى وكان عدواً لدوداً للدين الجديد و صاحبه،  فتنامى إلى علم ميرزا حسن وصول أحد أتباع حضرة بهاءالله إلى القاهرة فما كان منه إلا أن اتصل بالسلطات المصرية وادعى على النبيل تهما باطلة و حث السلطات على القبض عليه، و بالفعل نجح فى مسعاه و سجن النبيل فى القاهرة فى بداية الأمر ثم نقل إلى سجن فى الأسكندرية (ربما كان ذلك سجن قلعة قايتباى حيث أنه من المعلوم أن السجن كان قريبا من البحر و الميناء).  و بذلك انقطعت الصلة بينه و بين أحداث أدرنة و لم يعلم بأمر نفى حضرة بهاءالله الوشيك إلى عكاء.  فى السجن تقابل مع النبيل و طبيب سورى  إسمه فارس أفندى كان محكوما عليه لأسباب مالية، وكان مسيحياً ورعاً و حاول تبشير النبيل برسالة المخلص السمحاء إلا أنه سرعان ما أيقن بأحقية أمر الله نتيجة لما سمعه من النبيل بأن البشارة قد تحققت بظهور يوم الله الموعود فى جميع الأديان، و راح يكشف له عن إشراق نور الدين الوليد و أعانه على التيقن من صدق ما يبلغه به.  و بالفعل آمن فارس أفندى بالظهور الجديد بفعل مساعى النبيل الملهمة و لما رآه منه من انقطاع عن هذه الدنيا و محبة لكل الأديان و معرفة عميقة و عشق لأمر حضرة بهاءالله و توطدت أواصر المودة والمحبة بين السجينين و كان فرح النبيل بإيمان فارس أفندى عظيماً أنساه محنته و سجنه و التفكر فى مصيره.  فى يوم الخميس السابع و العشرين من أغسطس صعد النبيل إلى سطح السجن و راح يتطلع إلى المارة فإذا به لشدة دهشته يلمح رجلا تعرف عليه،  لقد كان هذا الرجل من أصحاب بهاءالله فى أدرنة و كان اسمه آقا محمد إبراهيم الناظر. كان آقا محمد إبراهيم قد سمح له بمغادرة السفينة التى كانت تحمل حضرة بهاءالله و رست فى ميناء الأسكندرية فى طريقها إلى عكاء فى صحبة حارس لشراء بعض لوازم الغذاء و المؤن للرحلة.  عندما رآه النبيل هبَّ مشدوهاً و نادى على آقا محمد إبراهيم الذى نجح فى إقناع حارسه بالسماح له بزيارة صديقه فى السجن.  و روى آقا محمد للنبيل ما كان من أمر حضرة بهاءالله و المنفى الجديد.  فى صباح اليوم التالى نجح فارس أفندى فى إيصال رسالة من خلال أحد معارفه إلى حضرة بهاءالله على متن الباخرة  ووقف الاثنان فوق سطح السجن يراقبان بشغف وصول الرسالة.  كان الشاب الذى حمل الرسالة للسفينة يدعى قسطنتين وكان يعمل فى محل للساعات بمدينة الإسكندرية.  عندما عاد ليبلغ السجينين بما شاهد ويطمئنهما على تأكيد حضرة بهاءالله بأنهما سوف يطلق سراحهما قريبا كان مبهوراً ومتأججاً بعاطفة قوية، وهتف من الانفعال لدى وصوله لتسليم الرسالة أنه رأى طلعة النورالسماوى! فاحتضنه فارس و قبله بين عينيه تيمناً بوجه شاهد محيا مولاه.  سلم قسطنتين المظروف الذى حمله مِنْ حضرة بهاءالله ليسلمه للسجينين و كان يضم لوحاً بحق النبيل، و لكن أبرز ما فى هذا اللوح كان يشير إلى فارس الذى ذكر باسم "رضى الروح" إشارة إلى الروح الراضية المرضية،  فروح الانسان هى أعز حقيقة فى الوجود وتربطها قوة انجذاب غامضة بمظاهر أمر الله الذين يحملون الكلمة التى تعيد إحياء القلوب وتذيب الحجبات و تحقق للنفس الغاية التى  خلقت لها، وهى تلك العلاقة  العجيبة التى يشير إليها حضرة بهاءالله فى الكلمات المكنونة: "يا ابن الانسان. أحببت خلقك فخلقتك، فأحببنى كى أذكرك، و فى روح الحياة أثبتك".  

لقد رحلت السفينة إلى عكاء و لكنها تركت مِنْ ورائها فارس و قسطنتين ليبلغوا أمر الله وفُكَّ أسرُ فارسَ و النبيل فيما بعده لكن إطلاق سراح النبيل ظل مشروطاً بمغادرته للبلاد فرحل ليلحق بمولاه.  

 تطور الأمر في مصر على أيدي بعض الأفراد ممن سمعوا عن الرسالة الجديدة التي يحملها سجين عكاء للبشرية،  وقد كان بهاء الله حريصا على أن يبلغ أمره للمصريين فكان يطلب من مريديه وزواره ممن كانوا أحرارا طلقاء السفر إلى مصر والمكوث فيها لتبليغ رسالة الوحدة و الاتحاد و المحبة و التعاون الخَّلاق. كان من بين هؤلاء رجلٌ يدعى جناب حيدر علي،  مكث جناب حيدر في مصر بتوصية من حضرة بهاء الله لفترة بّلغ فيها عددا لا بأس به ودعاهم لقبول هذا الدين الجديد الذي انتظره الناس طويلاً، والذي وعد الرسل في كل الديانات بظهوره في آخر الزمان، وبأن رسالته هي التأسيس لعالم جديد يسوده العدل بين البشر و التراحم بين الناس بدلا من الظلم والجور والتناحر وعدم المساواة.

تحمّل حضرة بهاء الله السجن والتعذيب والنفي طيلة أربعين عاما من أجل إيصال أحدث رسالة سماوية  إلى البشرية، واليوم تزداد سيرته ورسالته اشتهاراً وانتشاراً على امتداد المعمورة. ملايين من البشر يتعلمون تطبيق تعاليمه في حياتهم الشخصية وفي مجتمعاتهم من أجل إصلاح عالم يئن تحت وطأة الحروبِ و الجشعِ و اتساع الفجوةِ المؤلمةِ بين الغنى الفاحش و الفقر المدقع والظلم البيّن وانعدامِ كُلٍّ من العدل والمساواة و سيادة الماديّة المتوحشة و الجورِ على الحقوق والتعصبِ وتراجعِ القيمِ الأخلاقية التي تقيم أسسَ الحضارة السليمة والاستقطاب الممزَّق لعلاقات البشر واستسهال إرَاقة الدماء و تفشى اليأَس في النفوس.

في ذلك الوقت، كانت الحدود بين مصر وبقية البلدان الواقعة ضمن الإمبراطورية العثمانية مفتوحة من حيث التنقلات والتجارة فاستمرت الصلات بين سجين عكاء واتباعه من المصريين من خلال المسافرين بين مصر وفلسطين.

بعد وفاة حضرة بهاء الله في عكاء عام 1892 بعد أربعة و عشرين عاما قضاها تحت نيّر الحبس من حكم الإمبراطورّية العثمانّية تولى أمر الدين البازغ ابنه الأكبر حضرة عبد البهاء وهو الذي عرفته القاهرة وصحفها بلقب عباس أفندي.