عباس أفندي: عبد البهاء

ولد عباس أفندي الذي اختار لنفسه لقب "عبد البهاء" في مدينة طهران في 23 مايو 1844. وشب عبد البهاء منذ يومه الأول في ظل والده الجليل فشاطره المنفي وآلام السجن والتعذيب.  فآل الصبيُّ على نفسه أن يقف إلى جانب والده في كل الظروف وأن يكرّس حياتَه في خدمة رسالته للبشرية. ولذا لم يفاجأ أحد عندما فُضَّت وصية حضرة بهاءُ الله معلنةً عبد البهاء خليفةً له في إدارة شئون الدين البازغ.  فقام عبد البهاء على مهمًته الصعبة بكل حكمةٍ ونشاط وصبر. كان لا يكّل في دأبه على نشر قواعد الوحدة والاتحاد وشحذ الهمم والحث على نشر رسالة الوحدة والاتحاد بين البشر والعمل على دعمِ أُسُسِ العدالةِ والإِنصاف والسعيِ لبناء صرحِ السلامِ العالميّ.

ورغم القيود المفروضة والمراقبة الصارمة من قبل السلطات ظلت وفود الزائرين تقصده من كل صوب وحدب.  وقد أشعل ذلك نيران البغضاء في بعض النفوس الحسودة فراحوا يتهمون عبد البهاء بأنه يتحالف مع العرب ضد الدولة العثمانية وأنه يبنى قلعة محصنة فوق جبل الكرمل ويدعو القبائل للانضمام إليه بغية تأسيس سلطنة جديدة.  فما كان من السلطان عبد الحميد إلا أن بعث لجنة تفتيشية في عام  1904 للتحقيق وسرت إشاعات لدى وصول اللجنة بأن اللجنة مفوضة بنفي عبد البهاء و من ثم إلقائه في البحر، الأمر الذي جعل عبد البهاء يدعو أصحابه للهجرة واختار أن يكون وحده هدفاً لما تكيده تلك اللجنة فأطاعوه وهاجرت بالفعل مجموعة إلى مصر وتوجه أخرون إلى روسيا وبلدان أخرى.  أنهت اللجنة عملها دون أن تجد ما يدين عبد البهاء وأتباعه فعادت خالية الوفاض.  في ذلك الوقت الحرج كتب حضرة عبد البهاء وصيته التي تعد امتداداً لميثاق بهاء الله وعهده. وهي الوثيقة التي عين فيها خليفته من بعده وأوضح فيها معالم النظام الإداري الذي بشر به حضرة بهاء الله.

وعاد السلطان عبد الحميد ليعين لجنة تفتيشية أخرى من جديد في عام 1907 برئاسة عارف بك والذي كان من المقربين للسلطان. فوضعت السلطات العثمانية قوة عسكرية حول منزل حضرة عبد البهاء ومنعت الناس من التردد عليه.  وكانت اللجنة تنتظر من حضرة عبد البهاء أن يطلب زيارتها، لكنه لم يفعل مما اثار حنق عارف بك الذي راح يهدد أنه على وشك تولى ولاية بيروت وأنه عندها سوف يحصل من الآستانة على الحكم بإعدام حضرة عبد البهاء وينفذه بنفسه في بيروت. لقد أصاب أصحاب حضرة عبد البهاء الخوف والوجل لدى سماعهم تلك الأخبار وحاولوا إقناعه بمغادرة البلاد لكنه أجابهم في هدوء و دون تردد:

"أيها الأحباء، لقد كان الباب هدفاً للرصاص فهرع إلى ميدان الفداء، وتحمل بهاء الله الضرب والحبس والتعذيب، ولم يفر أحد منهما ولم يهرب، فهل من قبيل الوفاء لهما أن أفر أنا؟  لن أفر ولن أهرب." وبقي عبد البهاء في انتظار أن تصدر اللجنة التفتيشية حكما قد عقدت النية عليه وهو الإعدام شنقاً دونما أي تحقيق.

لكن الإرادة الإلهية شاءت أن تندلع في تلك الأثناء الثورة في تركيا فاستدعيت اللجنة من عكاء على وجه السرعة وتوالت الأحداث وبدأت جماعة "تركيا الفتاة" بالاستيلاء على الحكم وأصدرت أمرا بإطلاق سراح المسجونين والمنفيين بسبب هويتهم الدينية ودون جرم ارتكبوه.

وهكذا تحرر حضرة عبد البهاء في شهر سبتمبر من عام 1908 بعد أربعين سنة، ولأنه كان صاحب رؤية عالمية ورسالة إنسانية شاملة فلم يكن من الغريب أن يقوم بالأسفار ويجوب العالم ليحرك الضمائر والعقول من أجل إيجاد الحلول لقضايا العالم المعقدة، ولم يكن ذلك سهلاً عليه في تلك السن المتقدمة و اعتلال الصحة بعد فترة السجن الطويلة و ما نتج عنها من التهاب مزمن في المفاصل، و نوبات الملاريا التي كانت تصيبه بين الحين و الآخر.

كانت أول زيارة قام بها حضرة عبد البهاء في شهر سبتمبر عام 1910 إلى مصر حيث أبحر من الأراضي المقدسة إلى بورسعيد وأقام فيها شهراً كان ينوى بعده السفر إلى أوروبا لنشر دعوة والده لكن توعك صحته حال دون ذلك فبقي مدة أخرى في مصر زار فيها القاهرة و أقام عاما كاملا للإستشفاء.

غلاف كتاب عباس أفندي لدكتور سهيل بشروئي

غلاف كتاب عباس أفندي للدكتور سهيل بشروئي. الضغط على الصورة يفتح الموقع الخاص بالكتاب.

في أغسطس من عام 1911 سافر حضرته من ميناء الإسكندرية إلى مرسيليا ومنها إلى سويسرا ثم وصل إلى العاصمة البريطانية لندن وأقام بها شهراً واحداً وغادرها إلى باريس التي مكث بها تسعة أسابيع ليعود بعدها الى مصر ويقضى الشتاء بمدينة الإسكندرية وسافر منها إلى نيويورك.  في الولايات المتحدة و على الرغم من أعباء السفر و مشقاته قام بجولة واسعة من المحيط إلى المحيط وتوجه إلى شيكاجو ليضع بيده الكريمة حجر أساس أول معبد بهائي، و يطلف إسم "مشارق الأذكار" على أماكن العبادة للبهائيين، و لا تقتصر العبادة بها على البهائيين فحسب، بل هي مفتوحة لكل من يريد التعبد و الصلاة من شتى الديانات والعقائد كلٌ وفقاً لعقيدته شريطة مراعاة الهدوء و السكينة احتراماً للآخرين.

وبعد جولة أخرى في أوروبا زار فيها ليفربول وأوكسفورد وأدنبره وشتوتجارت وبودابست وصل إلى بورسعيد مرة أخرى في 17 يونيو ثم انتقل إلى الإسكندرية حيث مكث حضرة عبد البهاء في ضاحية الرملة حتى الثاني من ديسمبر عام 1913 وعاد بعد ذلك إلى الأراضي المقدسة قبل نشوب الحرب العالمية الأولى في عام 1914.

لقد أعلن حضرة عبد البهاء ليعلن من على منابر ومنصات عواصم أوروبا المهمة وكبريات المدن الأمريكية الحقائق المميزة للدين البهائي موضحا في ذات الوقت وحدة الأديان في أصولها و أهدافها. ولا عجب من أن نراه يوضح لأتباع موسى عليه السلام حقيقة نبوة المسيح له المجد، ويبين للمسيحيين في كنائسهم أصل الإسلام وحقيقته الإلهية وصحة بعثة محمد عليه الصلاة والسلام، ويقنع الماديين والطبيعيين بضرورة الرسالات الإلهية ولزوم الدين ليكون حامياً وحافظاً ومنظماً لشئون المجتمع الإنساني.  كما شرح للعالم عناصر النظم العالمي الجديد وبين حقائقه الحيوية التي وضعها حضرة بهاء الله ووصفها بأنها "روح العصر"،  و أعلن تحذيره من اندلاع حرب عالمية طاحنة تلتهم الأخضر و اليابس و نبه إلى انحلال الأنظمة السياسية مؤكدا أن راية "اتحاد الجنس البشرى"سوف ترتفع بعد ظلام دامس من المحن والآلام. لقد شكلت خطبه ونصائحه تراثا زاخرا غنيا وساطعا في سماء المبادئ الدينية والأخلاقية والاجتماعية، و رسمت للإنسان منهجاً سامياً يمكّن البشرية بأكملها أن تقطف ثماره خيرا و صلاحا.

جلبت سنوات الحرب العالمية الأولى (1914-1919) صنوف المصائب والبلايا لعالم فقد صوابه ودخلت تركيا الحرب إلى جانب ألمانيا والنمسا ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا. ولعل أشد المجاعات هولاً وتفاقماً في حالات الفقر والفاقة من جراء ذلك الصراع الدموي هو ما حل بأهالي لبنان وسوريا و فلسطين ممن عانوا بسبب حرب ضروس لم يكن لهم فيها ناقة و لا جمل. وقد وصف جبران خليل جبران في صرخة مدوية من أعماقه حجم المأساة التي تعرض لها أهل بلاده وبنو وطنه:

ماذا عسى يقدر المنفي البعيد أن يفعل لأهله الجائعين؟

لو كنت سنبلة من القمح نابتة في تربة بلادي لكان الطفل الجائع يلتقطني و يزيل بحياتي يد الموت عن نفسه.

لو كنت ثمرة يانعة في بساتين بلادى لكانت المرأة الجائعة تتناولني وتقضمني طعاما.

وقد كان لحضرة عبد البهاء القدرة في أن يفعل ما عجز جبران في منفاه أن يفعله فنذر نفسه تماما لمد يد العون لينقذ حياة عائل وأطفاله هنا و هناك و عكف على توزيع الطحين على الفقراء و المحتاجين و فرض نظاما من التقشف الصارم على أهل بيته و أصحابه ليسد رمق الجوعى و المساكين و كان يزور المرضى ويواسى الجميع في محنتهم.  فشهد له أهل فلسطين كبارا وصغارا بأنه "سيد المحسنين" ولم يفرق في إحسانه بين عدو آذاه وصديق راعاه، ولكن معياره كان حاجة الإنسان في شدته وعوزه.

كان عبد البهاء قد كشف النقاب في إبريل 1919 عن ألواح الخطة الإلهية الأربعة عشر التي خطها أيام اندلاع الحرب الطاحنة، وفيها أعلن عن برنامج مفصل لتحقيق أهداف رسالة بهاء الله ونشر مبادئ وحدة العالم االإنساني.

وجاء يوم الإثنين الحزين 28 نوفمبر من عام 1921 بنبأ وفاة حضرة عبد البهاء عن عمر يناهز السابعة والسبعين عاماً.  مات أبو الفقراء والمساكين ونعاه الكبير والصغير وسار موكب جنازته بصورة لم تشهد الأراضى المقدسة لها مثيلا من قبل ولأول مرة توحدت الطوائف الدينية والتحمت أطياف المجتمع لتؤبن من كان خادما مخلصا لقضية الإخاء االإنساني والسلام العالمي.

من أجل المزيد عن رحلات عبد البهاء في مصر والأعلام التي التقى بها وتقارير صحف القاهرة وقتها عنه انظر كتاب الدكتور سهيل بديع بشروئي "عباس أفندي في الذكرى المئوية لزيارته إلى مصر" الفصل الرابع: عباس أفندي في نظر أعلام عصره من أهل الدين والفكر والعلم.  وهو الكتاب الذي نقل عنه ما جاء عاليه في ذكر حياة عبد البهاء.